المسار الصعب للإتحاد الأوروبي حفاظا علی الإنسجام الداخلي

إجتاز الإتحاد الأوروبي طیلة السنین الماضیة إختبارات صعبة وعلی الرغم من تحسین جزئي في الأوضاع الإقتصادية للدول الأعضاء، یواجه اليوم أزمات شدیدة لاسیما في المجالات المالیة والمصرفیة والأمنیة والهجرة ونمو مطرد للإتجاهات الشعبوية والقومیة في الدول الأعضاء. وفي السیاق نفسه فإن مسألة خروج بریطانیا من الإتحاد الأوروبي ومجیء ترامب إلی السلطة في أمریکا والإنطباع الموجود حول التهدید الروسی علی دول البلطیق وأوروبا الشرقیة زاد الأمور تعقيداً بالنسبة للإتحاد الأوروبي. وبما أن کل دولة عضو تبحث عن مصالحها الوطنیة وهمومها الأمنیة فقد وصل الأمر بالإتحاد الیوم إلی التباعد أکثر منه إلی التقارب الذي کان سائدا طوال الستة عقود الماضیة. هذا المقال یسلط الضوء علی التحدیات التي تواجه الإتحاد وتتناول الحلول لبقائه.

وضع الأتحاد الأوروبي الراهن

علی الرغم من وجود بعض المؤشرات لتحسن جزئي للأوضاع الإقتصادیة للدول الأعضاء وانخفاض معدل البطالة في بعض منها کإسبانیا إلا أن الإنهیار الإقتصادي لا یزال یهدد الإتحاد. إن الأزمة المتعلقة بالدیون في اليونان لا تزال تعتبر التهدید الأهم کما أن النظام المصرفی في إیطالیا یواجه خطر الإفلاس. فکل هذا من شأنه أن یهدد بشکل جدي العملة الأوروبية الموحدة. مع هذا کله فإن الشيء الأبرز في أوروبا الیوم هو انعدام آلية فاعلة للتنسیق بین السیاسات والبرامج. إن وجود مثل هذه الآلية تعتبر من الضرورات لحلحلة المشاکل الإقتصادية التي تواجه معظم الدول الأعضاء من تقلیل قوة المنافسة، إنخفاض النمو الإقتصادي، البطالة وانخفاض معدل الإستثمارات. وبسبب حالة انعدام الثقة الموجودة اليوم بين الدول الأعضاء، یحاول الجميع اتباع سیاسته الخاصة لأنه أصبح یؤمن بعدم إمکانیة المراهنة علی مدی التزام الآخر بإلتزاماته.

فمنذ بروز الأزمة المالیة في الإتحاد الأوروبي، ظهر معسکران داخل الإتحاد لکل منهما سیاسات خاصة تختلف في مواجهتها الأزمة. ففي المعسکر الذي تقوده ألمانیا وهولندا تُطالَب الحکومات بتنفیذ إصلاحات إقتصادية متفق عليها من جهة کما تُطالَب بالإلتزام بالأنظمة والقوانین المتبعة (مثل القانون الذهبي الذي ینص علی ضرورة عدم تجاوز العجز في المیزانیة حاجز الـ 3 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي) من جهة أخری. ويؤمن المعسکر الأخر والذي یتکون من فرانسة ودول جنوب أوروبا بأن الحکومات بحاجة إلی إظهار مزید من المرونة فیما یخص إتخاذ القرارات المتعلقة بالتعديلات المالية والهیکلیة کما أنه علی الحکومات التي تتمتع بحرية أکبر في المعاملات المالیة القيام بزیادة نفقاتها العامة تفادیا لضياع التوازنات الموجودة.

التحديات الموجودة

وصل الخبراء في الشأن الأوروبي إلی واقع أن مشروع التکامل الأوروبي والذي سجل في بدایاته نجاحاً باهراً في المجالات الإقتصادیة والأمنية یشوبه خلل هیکلي أظهر نفسه في الأزمة. وإلی جانب عدم التوازن في إقتصادات منطقة اليورو، تکمن إحدی مکامن الخلل في عدم وجود اتحاد مالي وسیاسي حتی یکون رافداً للإتحاد النقدي. فمن هنا تأتي أهمیة المراجعة لمشروع لم یعد یلبي متطلبات اليوم وفي إطار هذه المراجعة من الضرورة بمکان اتخاذ آلیة یؤخذ فیها موضوع خلق النظم والنظام بغیة تحديد مدی التزام الأعضاء بالإلتزامات والقوانین وايجاد الدوافع لمزید من التعاون بین الأعضاء والحفاظ علی التضامن بعين الإعتبار. ولکن في الظرف الراهن تعتبر الکثیر من شعوب الدول الأعضاء، لاسیما الشرائح المتوسطة والضعیفة منها، ما تعانیه من مشاکل معیشیة نتیجة لسیاسات الاتحاد الأوروبي (خاصة ما یتعلق بسیاسات التقشف) وکذلك تعتبر الشعوب الإتحاد مؤسسة بيروقراطیة واسعة يقيم خبرائها في أبراج فاخرة لا خبر لدیهم عن مشاکل الإنسان العادي. لذلک من الطبیعي أن تزداد المشاعر المضادة للاتحاد الأوروبي في الکثیر من الدول الأعضاء. وقد زاد ذلک من شعبیة الأحزاب الشعبوية في اوروبا التي تنادي بالخروج من منطقة الیورو و الإتحاد الأوروبي (تبعا لبرغزیت). هذه الأحزاب سببت تحدیاً کبیراً لأحزاب التیار الرئیس التي تؤمن بالتکامل والتماسك الأوروبي ومع ذلك ونظراً للوضاع الحالية لا تميل حتی الأحزاب التابعة للتیار الرئیس إلی استقطاب آراء الشعب نحو مزید من التعاون مع الاتحاد الأوروبي فهذا الأمر بحد ذاته یعد إحدی العقبات الکبيرة في طریق التعديلات في الإتحاد.

وفي حال استمرار الوضع الراهن وکذلك استمرار الرکود الإقتصادي، من المحتمل أن تعمل الدول الاعضاء وفقا لمصالحها وأن لا یبقی من الإتحاد الإوروبي سوی اسمه فقط. يری بعض الخبراء أنه سیتم تشکیل معسکرات مختلفة داخل الإتحاد بناءا علی المصالح المشترکة کأوروبا المتوسطیة (فرانسا وایطالیا واسبانیا والبرتغال) وأوروبا الشرقیة (هنغاریا وجمهوریة التشیک وبولندا واسلوفاکیا أو ما یسمی مجموعة فیزغراد) وأوروبا الجرمنانية (ألمانیا وهولندا والنمسا) وأوروبا البحریة (الیونان وبلغاریا) و...

الإستنتاج

خلاصة القول أن تجربة التکامل الإوروبي والذي نشأ بداية من أجل إحلال السلام في أوروبا والحفاظ علی وجود وهویة أوروبا الغربیة طيلة الحرب الباردة وما خلقه من أمال لإتحاد القارة الإوروبية کافة وتحرکها صوب الدیموقراطیة ومزید من الرخاء الإقتصادي بعد انهيار المعسكر الشرقي، لم يعمل جيّداً سوی عند الإزدهار الإقتصادي النسبي، حیث ظهر مع بدء الأزمة المالیة والإقتصادية نُقصان وخلل في الهیکلیة والتنظیم. یواجه الإتحاد الیوم مشاکل وتحدیات صعبة حیث لم يعد بقدوره تعزیز التکامل بل وحتی الحفاظ علی هذا المسار دون صعوبة بالغة.