في حقبة حکم الملک سلمان قامت السعودية بسياسة إقليمية إختلفت عن المألوف من سياسة محافظة مبنية علی المصلحة.
رمز الخبر: ۳۰
تأريخ النشر: 13:11 - 21 August 2017
في حقبة حکم الملک سلمان قامت السعودية بسياسة إقليمية إختلفت عن المألوف من سياسة محافظة مبنية علی المصلحة. وکانت الحرب علی اليمن، نسج تحالف عربي ضد ايران ومقاطعة قطر من مظاهر سياسة الرياض الجديدة. ولکن ثمة تغيير بدأ يطفو علی سطح السياسة الإقليمية للسعودية. ولإيضاح هذا التغيير سنطرح هنا النهج المُتخذ في سياسة المملکة الخارجية تجاه أربعة ملفات رئيسية في الإقليم. وثمة إشارات للعودة للسياسة المحافظة المبنية علی المصلحة في جميع تلک الملفات. ومن المهم أن التغيير برز في مرحلة إنتهی فيها دور الأمير محمد بن نايف وتعزّز فيها - حتی إشعارٍ آخر - حکم الملک سلمان وإبنه ولي العهد في مواجهة أي تحدٍ داخلي. ويمکن تتبّع أثر هذا الإطمئنان الداخلي في سياسة المملکة الإقليمية. 
أزمة قطر: بدأت کل من السعودية والإمارات وبحرين ومصر أزمة قطر بمحاصرة الدوحة. وکان متوقّعاً أن تنهي قطر سياساتها المستقلة تحت ضعط الحصار وأن تعود للحضن السعودي. إلا أن قطر آثرت المقاومة هذه المرة خلافاً لعام 2014. مشکلة السعودية وحلفاءها في حصار قطر کمنت في إظهار جميع الأوراق دفعة واحدة عند بدء الأزمة؛ ما أفقدها القدرة علی المناورة في المراحل التالية للأزمة. ونتيجة لذلک وأمام مقاومة قطر، أُجبرت الدول المحاصِرَة علی تعديل موقفها تدريجيا. بذلک وضعت الأزمة والمقاومة القطريتان السعودية وحلفاءها في مأزق استراتيجي يصعب الخروج منه. فلا الأهداف السعودية من الحصار تحققت ولا تملک المملکة أدوات أکثر تأثيراً لتغيير الوضع المستجد. وأمام هذا المأزق لم تزد السعودية من الضغوط والتهديدات علی قطر، بل أظهرت إستعداداً أکبر للقبول بالوساطة الکويتية رغم محاولتها زيادة الضغوط علی الدوحة علی المستوی الدولي – عبر اتهام الأخيرة بدعم الإرهاب. من هذا المنطلق، أظهرت الأزمة القطرية حدود القوة السعودية لنخبها الحاکمة أولاً وأدت إلی تراجع ومراجعة متدرجة في نهجها الهجومي ثانيا. 
الأزمة السورية: منذ أغسطس 2011 حتی أغسطس 2017 دعمت السعودية بقوة جماعات من المعارضة السورية. وکان الهدف المعلن والمستمر للرياض إسقاط حکومة الرئيس الأسد. واستمر وزیر الخارجية السعودي عادل الجبير يصرّ علی إسقاط الأسد سلماً أو حرباً وذلک حتی يوليو 2017. إلا أن الوضع تغيّر فجأة في أغسطس 2017. ففي لقاء له مع زعيم معارضة الرياض، طالب الجبير المعارضة بتغيير رؤاهم بناءاً علی المستجدات الداخلية والدولية لأنهم إن لم يفعلوا ستذهب القوی العظمی باتجاه حلولٍ خارج المعارضة. أهم ما قاله الجبير لرياض حجاب هو أنه بدل الترکيز علی رحيل الأسد کنقطة انطلاق وشرط لبدء العملية الإنتقالية، علی المعارضة الترکيز علی التفاوض بشأن فترة بقاءه في المرحلة الإنتقالية وصلاحياته أثناءها. ورغم أن وزارة الخارجية السعودية أعلنت أن کلام الرجل لم يُنقل بدقة، إلا أن الإعلان لم يحتوي علی نفي المحاور المنقولة عن وزیر الخارجية. ويتضمّن هذا التغيير فيما يتضمّنه، قبول الرياض بالآليات المبنية علی قرار مجلس الأمن 2254 دون التأکيد علی شروطها المسبقة المعتادة.
أزمة اليمن: رغم مضي عامان ونيف علی بدء الحرب السعودية علی اليمن، لم يحدث أي تغيّر جدي في النهج السعودي إزاء اليمن حتی أغسطس 2017. وفي أغسطس 2017 زارت مندوبة الإتحاد الأوروبي في اليمن لأول مرة صنعاء والتقت بوزير خارجية حکومة الإنقاذ هشام شرف. من جهة أخری زار ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في اليمن اسماعيل ولد الشيخ أحمد کل من عمان والسعودية والأردن واتجه بعدها إلی طهران في زياراتٍ نُقل عن ارتباطها بزيارة ممثلة الإتحاد الأوروبي إلی صنعاء. کما نُشرت أخبار تقول بطلب ولي العهد محمد بن سلمان من عُمان التوسط لإنهاء القتال في اليمن. ورغم صعوبة التأکد من الخبر المذکور، إلا أن الخبر الذي تبعه نُشر بوثوق أکبر: زيارة وفد من حکومة الإنقاذ إلی بلد عربي (عمان) للتفاوض مع الطرف الآخر. وتشير مجموعة النقاط المذکورة أن الرياض تبحث في هذه المرحلة عن إحتواء الأزمة وخفض مستوی الإحتقان وعليه، فلم تعترض هذه المرة علی الحراک الإقليمي والدولي تجاه الأزمة بل وشجعته.
العلاقة مع العراق: أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين السعودية والعراق عام 2015 بإعادة فتح السفارة السعودية ببغداد وقنصليتها بأربيل. وکادت نشاطات ثامر السبهان کأول سفير للرياض ببغداد بعد 25 عام واتخاذه خطاباً طائفياً أن تؤدي إلی توتير علاقات الدولتين. ومع خروج السبهان من العراق جری تفادي الأزمة. وفي المرحلة الجديدة وخلافاً للمرحلة السابقة انفتحت السعودية علی شيعة العراق. فدعوة مقتدی الصدر إلی الرياض واستقبال ولي العهد السعودي له وکلامه عن مساعدة السعودية لإعادة إعمار المناطق المدمرة إثر الحرب ورقي العلاقات الثنائية بشکل عام، هي إشارات لبدء نهج جديد للسعودية إزاء العراق. إلا أن هذه العملية لم تکن وليست أحادية. ففي خضم التنافس بين شيعة العراق، إنشق السيد عمار الحکيم علی المجلس الأعلی (أو غيّر صورته) وأسس حزب الحکمة الوطنية. ويحتوی هذا الحزب علی الأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس الأعلی ولذلک فلن يختلف هوياتياً عن المجلس. رغم هذا الواقع، فإن ضرورة الخروج وتأسيس حزب جديد من وجهة نظر المنشقين أتت نتيجة منافسة الحزب مع باقي شيعة العراق الذين أصبحوا يتخذون مواقف بين ايران والسعودية في مرحلة بعد داعش. فقد غيّر شکله وبنيته المؤسساتية ليتمکن من إحداث تغييرات في المواقف والإبقاء علی قدرته التنافسية داخل الساحة الشيعية للعراق. تنظر السعودية بشکل ايجابي لهذه التطورات وکما هو واضح من الحفاوة التي لقيها الصدر، فإن الرياض تشجّع هکذا سلوک لدی شيعة العراق. بذلک وبدل مجابهة الهيکل السياسي الحاکم في العراق، بدأت السعودية تعزّز علاقاتها مع الشخصيات الشيعية الرئيسية. 
بشکل عام، ومع تعزيز سلطة الأمير محمد بن سلمان، يبدو أن الإنفاق من السياسة الخارجية علی تعزيز مکانته الداخلية قد استُبدل بسياسة خارجية أکثر توازناً وترکيزا. المحور في هذه السياسة هو خفض أعباء النهج الهجومي علی احتياطات السعودية من النقد الأجنبي أولاً وعلی الدبلوماسية السعودية ثانيا. ويبدو أن الأمير محمد بن سلمان يراجع ملفات السياسة الخارجية بهذا الإتجاه. يقوم هذه المرة بهکذا مراجعة دون حضور منافس ودون خوف من تأثير صنع السياسة الخارجية علی مکانته الداخلية. 

الرجوع الى أعلى الصفحة
أرسل لصديق
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: