عدد من التعليقات: ۱۱۱
(الحرکة من المقاربة المحلية والإقليمية للأمن إلی المقاربة المتبادلة والمترابطة لأمن الأقاليم)
أبدت الأزمات الإقليمية والدولية الأخيرة کأزمة أوکرانيا، اللاجئين، أزمات الشرق الأوسط وشمال
رمز الخبر: ۲۸
تأريخ النشر: 09:18 - 19 August 2017
أبدت الأزمات الإقليمية والدولية الأخيرة کأزمة أوکرانيا، اللاجئين، أزمات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأهمها؛ أزمة الإرهاب والهجمات الإرهابية المتزايدة في قلب أوروبا أن أمن أوروبا ليس بمعزلٍ عن أمن العالم والأقاليم الأخری. ونتيجۀ للتحديات الأمنية الجديدة وخلافاً للمقاربات الماضية للأمن المحلي والإقليمي وتوفير الأمن عبر غلق الحدود، أصبح واضحاً أن أمن أوروبا اليوم يتعرض بشکل غيرمسبوق للتهديدات والتحديات العالمية. وفي هذا الإطار، يری خبراء وساسة رفيعي المستوی في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي أنه يتعين علی أوروبا في مثل هذا النظام الأمني المترابط أن تأتي بسياسة أمنية جديدة "کلاعب أمني علی المستوی العالمي" بدل سياستها القديمة المبنية علی أن تکون "ملعبة جيوبوليتيکية للآخرين" (الولايات المتحدة بالتحديد). 
وقد إقترح نک وتني (Nick Witney) السياسي الرفيع والخبير في قضايا الأمن الدولي بأوروبا في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي إعادة النظر وتعزيز سياسة أوروبا الأمنية والدفاعية المشترکة عام 2008 وکان نموذجاً مبتکراً لإعادة النظر تدريجياً في هذا المجال. ومنذ ذلک الحين ونتيجة لهذه المقاربة المختلفة، جرت أعمال مؤثرة لتعزيز سياسة أوروبا الأمنية. يمکن في هذا المجال التذکير بالأعمال المؤثرة لمارک غالئوتي (Mark Galeotti) حول المخابرات الروسية، الدبلوماسية القسرية والشبکات الإجرامية، المبادرة الجذابة لإلي غرانماية (Ellie Geranmayeh)(١)  التي أتت في توقيت جيّد أثناء المفاوضات والإتفاق النووي، وکذلک عمل فرنسيس غودمنت (François Godement) حول مکانة الصين في النظام العالمي الجديد. إلا أن ما تواجهه أوروبا اليوم ليس تحديات المستمرة من السابق، بل ثمة انتشار لتهديدات جديدة: من طريقة تنظيم علاقات أوروبا بالقوی العظمی (الصين وروسيا) حتی التحديدات الإقتصادية والأمنية والبيئية الجديدة في العلاقة بعبر الأطلسي، حتی الهجمات الإرهابية المتزايدة في قلب أوروبا وتدايات البرغزيت (Brexit)، وهي أمور تُبدي حقيقة أنه لا يمکن معالجة التحديات الجديدة بالروية المبنية علی المقاربات القديمة للأمن. بذلک وصلت أوروبا من بيئة دولية بمقاربات أمنية محلية وإقليمية إلی مقاربة أمنية مبنية علی الترابط والحساسية المتبادلة في آن واحد. 
جرت المبادرة الأمنية الجديدة لأوروبا (New European Security Initiative(NESI)) بغية البحث عن قواعد جديدة لمواجهة الأزمات والتحديات الجديدة. وسيقوم هذا البرنامج بدور نشط ورائد علی مستويات أمن أوروبا الأربعة وهي: 1. التهديدات؛ 2. القدرات والمعدات اللازمة لمواجهة هذه التهديدات؛ 3. التحالفات والمنظمات الموفّرة للأمن؛ و 4. الأبعاد الداخلية للتعاون الأمني في أوروبا. وبالإضافة لإبتعاد المقاربة الجديدة عن المقاربات السابقة التي اتسمت بالإنفرادية، تترکّز هذه المبادرة عملياً علی ترابط السياسات الداخلية للدول الأوروبية وصناعة القرارات المشترکة للإتحاد الأوروبي. بشکل عام فإن المبادرة الجديدة للعمل الأمني الأوروبي وُجدت لمعالجة التحديات الأمنية الجديدة في الوضع الأمني المستحدث في أوروبا والذي ليس بمقدور المقاربات القديمة معالجته. ومن القضايا الحديثة التي تعمل المبادرة الجديدة علی معالجتها: 
ما هي التهديدات الجديدة في أوروبا؟ لماذا تحتاج أوروبا لتغيير مقارباتها الأمنية؟ وفي هذا المجال، الربط بين الأمن الداخلي والخارجي، العبور من المفاهيم التقليدية للجهود الدفاعية في أوروبا والإدراک الأوسع والأشمل لأمن أوروبا وترابط الأمن العالمي وأزمات الشرق الأوسط بشکل خاص، المعدات والقدرات اللازمة لمواجهة مؤثرة للتهديدات دون الإضرار بالتضامن في الإتحاد الأوروبي، هي أحد القضايا التي تصبو إليها المبادرة الأمنية الجديدة لأوروبا. 
ومن المهم دراسة وتحليل وثيقة المبادرة الجديدة لأوروبا في المجال الأمني لعدة أسباب:
1. توصل قادة أوروبا بعد سنين من تأجيج الحروب والتوتر وتشرّد الملايين من الناس في الأزمات السورية والعراقية وبشکل عام الأزمات و الحروب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلی قضة  أصرّت ورکّزت عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ بدء أزمات الشرق الأوسط وهي أن لا يمکن تجزئة الأمن وأن أمن الأقاليم المختلفة مترابط.  ورغم تأکيد ايران علی الترابط الأمني بي الأقاليم منذ بدء أزمات الشرق الأوسط، فإن هذه القضية أثيرت مرة أخری الأسبوع الماضي أثناء سفر وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثناء لقاءاته بنظرائه الألماني والإيطالي والفرنسي وأثناء خطابه أمام المؤتمر السنوي لمجلس العلاقات الخارجية الأوروبي، وجری الترحيب بها في الإعلام الأوروبي تحت عنوان أنه "لا يمکن شراء الأمن" (Security cannot be purchased). وقد قال وزير خارجية ايران أثناء خطابه أنه "لا يمکن شراء الأمن، السياسة الخارجية لیست سلعة ولا تعني عقود التسليح مشارکة. إلا أن سلوک الدول الغربية وعلی رأسها الولايات المتحدة حول بيع السلاح تسبب بنشر هذه المقاربة في الشرق الأوسط بأنه يمکن شراء الأمن من الخارج سيُعرّض هذا ليس فقط أمن الشرق الأوسط بل وأيضاً الدول الغربية بشکل أکبر. کما أشار وزیر الخارجية الإيراني إلی أنه "ليس بمقدور الإتحاد الأوروبي أن يفکّر بالنصر علی حساب هزيمة الآخرين وهذا أمر تدرکه ايران بشکل جيّد. وفي هذا الإطار، من الضروري أن إحداث مجمّع أمني إقليمي في الخليج الفارسي بغية نشر الحوار بدل إحداث مجموعات إقليمية متخاصمة في الشرق الأوسط أدت إلی الإضرار بدمن أوروبا نفسها. 
2. المهم أن هذه القضية جری التأکيد عليها في وثيقة المبادرة الأمنية الجديدة لأوروبا حول إضرار أزمات الشرق الأوسط بأمن أوروبا في قضايا کالهجرة والهجمات الإرهابية في قلب أوروبا. القضية الرئيسية في هذه الوثيقة هي أن الأمن لايمکن أن يکون محلياً أو إقليمياً بل هو في ترابطٍ ايجاباً وسلباً وعلی الإتحاد الأوروبي أن يأتي بمقاربات جديدة لدرء التحديات الجديدة. من المهم التذکير بأنه شارک في کتابة وثيقة الأمن الجديدة في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي 40 شخصية من السياسيين والخبراء في قضايا السياسة الخارجية والأمنية والعسکرية ومنهم: سياسيون وخبراء أوروبيين في مجال الأمن والدفاع، الإرهاب والإرهاب السايبيري، خبراء وسياسيون في مجال القضايا العسکرية والأمنية لروسيا، الصين، ايران، سوريا، العراق، ترکيا، ليبيا واليمن.  
3. طُرحت المبادرة الأمنية الجديدة لأوروبا لمواجهة التحديات الجديدة في زمنٍ يشهد الإتحاد الأوروبي فجوة وتحد في القضايا الأمنية بينه وبين الرئيس الأمريکي الجديد الذي وضع أوروبا أمام وضع أمني غيرواضح وحسّاس أمام روسيا وکذلک أمام أزمات الشرق الأوسط وذلک نتيجةً لعدم وضوح مقاربته الأمنية. ومن جهة أخری، فإن ضعف الإتحاد الأوروبي أمام أزمات الشرق الأوسط (التي له يد في صنعها) الذي تجلّی علی شکل هجمات إرهابية متزايدة في قلب أوروبا، أدی إلی إقترابهم من المقاربة الأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وبناءاً عليها: لا يمکن تجزئة الأمن فإن وُجد الأمن وجد للجميع ولم يوجد فلا يوجد للجميع. وبناءاً عليه فإن أهم قضية في المبادرة الجديدة هي إبتعاد الإتحاد الأوروبي عن مقارباته القديمة المبنية علی النأي بأمن القارة الأوروبية عن  باقي الأقاليم والتأکيد في المقاربة الجديدة علی الأمن المتبادل والمترابط بين الأقالييم المختلفة.  


[1]. باحث أول بمجلس العلاقات الخارجية الأوروبي في مجال العلاقات الإيرانية الأوروبية، القضية النووية الإيرانية وقضايا السياسة الخارجية والأمنية لإيران. وقامت أثناء المفاوضات النووية بين ايران و1+5 بدور استشاری لمسؤولة السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي في المفاوضات. نُشر لها حتی الآن مقالات کثيرة حول العلاقات الإيرانية الأوروبية بعد الإتفاق النووي وکيفية الحفاظ علی الإتفاق النووي بمحورية الإتحاد الأوروبي.



الرجوع الى أعلى الصفحة
أرسل لصديق
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: